أمي (رحمها الله وأحسن مثواها) في أربعينيتها الأولى
2026/03/31
في ذكرى أربعينية ألم الفقد والحسرة والإمتثال لأمر لله سبحانه وتعالى، لا بدّ من كتابة هذه السطور المختصرة عن سيرة حياة امرأة مكافحة بمعنى الكلمة قدمت لحياتها ما عليها وهيأة زوادتها للآخرة امرأة مؤمنة نظيفة طيبة مكافحة حتى الإيثار لا تمل ولا تكل من تقديم ما تسطيع في سبيل ديمومة الحياة وتقديم العون لمن يحتاجه وخاصة مصاعب الحياة.
بدءا من المولد الذي كان في قرية الإمام التابعة لقضاء المحاويل في دار أبيها العلامة المجاهد الشيخ علي بن الشيخ محمد العذاري وما يعنيه هذا الاسم بالنسبة للبيت والقرية وعموم المحاويل فهو وكيل المرجعية الدينية وخطيب القرية الوحيد وشاعرها المتفرد بقصائده الاجتماعية والاخوانية وقصائد المديح والرثاء لال بيت الرسول محمد (ص) وما يقدمه من عون للمحتاجين من قريته وضواحيها وفتح باب بيته لتعليم صبية القرية القراءة والكتابة هو وزوجته الملة أم هلال ابنة العلامة الشيخ حسن بن الشيخ عباس العذاري التي كانت تتصدى لقراءة التعازي في المجالس الحسينية النسوية وتعلم بنات القرية وهن بالعشرات القراءة والكتابة،
في هذه الأجواء ولدت والدتي وتربت بكنف أبيها وأمها وكانت لهما البارة بهما في قضاء حوائجهما وتجهيز الطعام والشراب والماء الذي يجلب بالمساخن من نهر المرجانية الذي يخترق البساتين فقد عاشت شبابها في حياة ريفية قروية فبعد اكتمال تجهيز الماء لمرة او مرتين او اكثر يكون الطريق لغسل الملابس في ذلك النهر وثم غسل الصحون وبعدها التفرغ للتحطيب والطواش في البساتين التي يملكها الشيخ في القرية. وكانت البارة بأبيها واخوانها وأولادهم فقد أكد لي ابناء خالي عبد الأمير أنهم فقدوا أمهم بالاضافة لكونها عمتهم.
تعلمت على يدي أمها القراءة والكتابة وحفظت ما تيسر من آي الذكر الحكيم وصاحبت والدتها في المجالس الحسينية وكانت تحتفظ بدفاتر القصائد التي كانت تقرأ بها والتي تعرف ب(القصيدة) وكانت تضم العشرات من القصائد المختلفة لأبيها وللشيخ حسن وكاظم المنظور وغيرها، واستحقت لقب الملة لسببين القراءة في التعازي ومساعدة والدتها في تعليم بنات القرية الذي لم تتركه حتى عند زواجها وانتقالها الى الحلة فكانت تعلم الكثير من بنات المحلة القراءة والكتابة ممن لم ينتظمن بالمدارس الحكومية وقد ادركت ذلك في السبعينيات من القرن الماضي . وبسبب ثقل المصاريف لكثرة العيال ومرض الوالد الذي يقعده الفراش بين الفينة والأخرى اتجهت رحمها الله لخياطة العباءة النسائية لسد احتياجات البيت والنقص الحاصل بالمصروف لنا فكنا نلبس ونشتري القرطاسية وناخذ مصروفنا لا يميزنا عن غيرنا شيء.
كان دارنا ومنذ أن فتحت عيني على الدنيا مكانا لاقامة مجلس العزاء الحسيني النسوي في محرم لثلاثين يوما كل عام وفي ليالي شهر رمضان كانت الوالدة والجدة يستقبلن الكثير من نساء المحلة للاستماع للادعية وتلاوة القرآن في مشهد مهيب تكون ذروته ليلة القدر حيث تتصدى الوالدة لاقامة مجلس الهدي لما تلي من ايات القرآن الكريم خلال ايام الشهر الفضيل يحضرنه النساء من الأقارب والجيران من المحلة وكل له شمعته وما تلا من سور القرآن وكانت زوجة عمي حميد الحساني رحمها الله عندما تسأل اين ذاهبة تقول (الى الجنة وتكرر عندما أدخل لبيتكم أحس أنني في الجنة) ويستمر المجلس لساعات متأخرة من الليل. ولم تترك الوالدة صلاة الليل قط ولا تلاوة القرآن حتى في أيام مرضها حيث كانت تقرأ مما حفظته ناهيك عن التسبيح بشتى الأذكار من الاستغفار والسبحله والحوقلة والتشهد وتسبيح الزهراء وووو وكان أهم ما تميزت به أنها تسجد لله بعد كل وجبة طعام تأكلها شكرا وحمدا على نعمته وغيرها الكثير من الأذكار فهنيئا لها لما قدمت لنفسها.
رافقت الوالد في رحلاته للزيارة ليالي الجمع وفي الكثير من المناسبات الدينية وكانت نعم الزوجة الحنون المخلصة الأمينة ونعم الأم ونعم الأخت ونعم الإبنة ... نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته وأن يسكنها الفسيح من جنانه فلقد كانت من الموالين بحق عارفة لحدود دينها ملتزمة بفرائض الله محتشمة مستورة ملأت زوادتها للآخرة بالخير والبركة وبقيت رحمة الله ورضوانه.